تواجه شركات التكنولوجيا الكبرى موجة متصاعدة من الدعاوى القضائية المتعلقة بتأثير منصاتها على سلامة الأطفال وصحتهم النفسية، في الوقت الذي تسعى فيه إلى توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الفصول الدراسية، ما يثير تساؤلات حول مدى استعداد هذه الشركات لتحمل مسؤولية حماية المستخدمين الصغار.
تشير التسويات القضائية والدعاوى المستمرة ضد شركات مثل "ميتا" و"جوجل" و"سناب" إلى أن الإجراءات التي تتخذها هذه الشركات لمواجهة المخاطر المحتملة لا تزال غير كافية.
وكان أحدث هذه التطورات تسوية شركة "سناب" سرا دعوى قضائية رفعها مستخدمان مراهقان، زعما أن تقنياتها تسببت لهما في أضرار نفسية شديدة.
وجاءت التسوية قبل أيام من موعد محاكمة كانت مقررة في لوس أنجلوس، وبعد أن توصلت ميتا وتيك توك ويوتيوب إلى تسويات سابقة مع المدعين في القضية نفسها.
وفي تطور آخر، واجهت جوجل دعوى جديدة رفعها والدا طفل، زعما فيها أن استخدامه روبوت الدردشة "جيميني" عبر منصة Google Classroom أدى إلى تعرضه لأزمة نفسية.
الذكاء الاصطناعي يزيد المخاوف بشأن سلامة الأطفال
تتصاعد هذه المخاوف بالتزامن مع تسارع شركات الذكاء الاصطناعي نحو تحقيق تقييمات سوقية ضخمة، واستثمار شركات التكنولوجيا الكبرى مليارات الدولارات في تطوير نماذج متقدمة ودمجها في الأدوات التعليمية.
وترى كيت بلوكر، عالمة نفس النمو ومديرة الأبحاث والبرامج في منظمة "Children and Screens" غير الربحية، أن تصميم المنتجات الرقمية بهدف زيادة تفاعل المستخدمين قد يحمل آثارا سلبية، خصوصا على الأطفال والمراهقين.
وأكدت ضرورة مراعاة سلامة الأطفال منذ المراحل الأولى لتصميم تقنيات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، بدلا من انتظار ظهور الأضرار ثم محاولة التعامل معها.
من جانبه، يرى جوزيف ماكنالي، مدير قضايا التقاضي الناشئة في شركة McNicholas & McNicholas، أن التسويات الأخيرة تعكس محاولة من شركات التكنولوجيا لاحتواء التداعيات القانونية والإضرار المتزايد بسمعة منتجاتها وعلاماتها التجارية.
ولا تزال شركات ميتا وتيك توك وسناب ويوتيوب تواجه دعاوى اتحادية، إلى جانب قضايا رفعتها مناطق تعليمية وجهات قانونية في عدد من الولايات الأمريكية. كما وافقت ميتا في أغسطس على دفع ما يقرب من 17 مليار دولار لتسوية قضية تتعلق بالصحة النفسية للأطفال مع مجموعة من المدعين العامين بالولايات.
جوجل تواجه انتقادات بسبب دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم
لم تقتصر الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، إذ واجهت جوجل هذا الأسبوع اعتراضات على خططها لدمج أدوات الذكاء الاصطناعي في المدارس.
ووفقا لما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن المدارس التي تمنع الطلاب من استخدام أدوات جوجل للذكاء الاصطناعي قد تفقد إمكانية الوصول إلى خدمة البحث التابعة للشركة، وهو ما بررته جوجل بأن محرك البحث والذكاء الاصطناعي أصبحا مرتبطين بصورة وثيقة.
وتزامن ذلك مع الدعوى القضائية المتعلقة بروبوت "جيميني"، حيث اتهم محامو الأسرة جوجل بالتسرع في دمج التقنية داخل أجهزة Chromebook المخصصة للطلاب، رغم المخاطر التي قد تنطوي عليها.
وقالت جوجل إنها تراجع الادعاءات الواردة في الدعوى، مؤكدة أنها عملت مع متخصصين في الطب وخبراء أكاديميين لتطوير خصائص تساعد الشباب على الوصول إلى الدعم والموارد الموثوقة عند الحاجة.
تصميم التطبيقات قد يفتح الباب أمام مزيد من الدعاوى
استفادت شركات الإنترنت لعقود من المادة 230 في القانون الأمريكي، الصادر عام 1996، والتي توفر حماية قانونية للمنصات بشأن المحتوى الذي ينشره المستخدمون. ولهذا يركز عدد من المدعين حاليا على الأضرار المحتملة الناتجة عن تصميم المنصات وخصائصها، بدلا من المحتوى المنشور عليها.
وامتد هذا التوجه إلى شركات الذكاء الاصطناعي؛ إذ تواجه OpenAI دعاوى من جهات حكومية ومحامين، تتعلق بالمخاطر المحتملة لتصميم ChatGPT على الأطفال.
وترى ميشيل نيتز، أستاذة القانون بجامعة سان فرانسيسكو، أن هذه القضايا تعكس إدراك شركات التكنولوجيا لارتفاع المخاطر القانونية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن.
كما حذرت بلوكر من أن الطبيعة الشخصية والتفاعلية لتطبيقات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تجعل من الصعب التنبؤ بدقة بما قد تقوله للأطفال، مشددة على ضرورة اختبار هذه المنتجات وتقييم مدى ملاءمتها لنموهم وسلامتهم قبل طرحها، وليس بعد وقوع الأضرار.
وتأمل جهات معنية بحماية الأطفال أن تدفع هذه الدعاوى شركات التكنولوجيا إلى إجراء تغييرات جوهرية في طريقة تصميم منتجاتها، إلى جانب تعزيز الرقابة والتنظيم القانوني، بحيث تصبح سلامة الأطفال جزءا أساسيا من تطوير التكنولوجيا، لا مجرد إجراء لاحق لمعالجة المشكلات.




