مع التقدم في العمر، قد يصبح نسيان الأسماء أو الأماكن أو بعض التفاصيل اليومية أمرا أكثر شيوعا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع القدرات العقلية. فبحسب خبراء متخصصين في صحة الدماغ، يمكن تحسين الذاكرة وتعزيز التركيز من خلال مجموعة من العادات اليومية التي تساعد على تنشيط الوظائف المعرفية والحفاظ عليها.


ولا تقتصر الذاكرة على القدرة على استرجاع المعلومات، بل ترتبط أيضا بالانتباه وسرعة معالجة البيانات والتركيز. ويشير الخبراء إلى أن الدماغ يمتلك قدرة مستمرة على التكيف وتطوير اتصالات عصبية جديدة طوال الحياة، وهي خاصية تعرف باسم المرونة العصبية (Neuroplasticity).

خمس استراتيجيات يمكن دمجها في الروتين اليومي لدعم الذاكرة وتعزيز صحة الدماغ

1. ممارسة الرياضة بانتظام

تعد ممارسة النشاط البدني من أبرز الوسائل التي تساعد على تحسين وظائف الدماغ. وتشير الأبحاث إلى أن التمارين الرياضية قد تدعم تكوين خلايا دماغية جديدة، وتعزز الروابط العصبية، وتحفز إنتاج عوامل النمو التي تساعد الخلايا العصبية على العمل بكفاءة.

وتتنوع الأنشطة التي يمكن أن تحقق هذه الفوائد، إذ أظهرت دراسات ارتباط ممارسة اليوغا بزيادة حجم الحصين (Hippocampus)، وهي منطقة دماغية أساسية في عملية تكوين الذكريات، إلى جانب تحسن بعض المناطق المسؤولة عن الوظائف المعرفية.

كما رصدت دراسة أخرى تحسنا وصل إلى 30% في أداء الذاكرة لدى أشخاص تجاوزوا 60 عاما بعد ممارسة تمارين متقطعة عالية الكثافة لأنها تجمع بين الحركة والتنسيق الذهني وتذكر الخطوات والإيقاعات.

2. تعلم مهارات وأنشطة جديدة

يساعد اكتساب مهارات جديدة على تحفيز الدماغ وتطوير قدراته، خاصة عندما يتطلب النشاط التفكير والتركيز والخروج عن الأنماط المعتادة.

ولا يشترط تعلم مهارة معقدة أو قضاء ساعات طويلة في التدريب؛ إذ يمكن البدء بأنشطة ممتعة مثل حل الألغاز المنطقية والسودوكو، أو تعلم الرسم، أو تجربة هواية جديدة.

وتكمن الفائدة في اختيار نشاط يثير الاهتمام ويشجع على الاستمرار، مع زيادة مستوى التحدي تدريجيا. فممارسة المهام الذهنية بصورة منتظمة تساعد الدماغ على بناء مسارات عصبية جديدة وتحسين الأداء مع الوقت.

3. ممارسة التأمل الواعي لتحسين التركيز

يؤدي التركيز دورا أساسيا في عملية تذكر المعلومات، إذ يصعب الاحتفاظ بالتفاصيل أو استرجاعها إذا لم ينتبه الدماغ إليها منذ البداية.

وهنا يأتي دور التأمل الواعي (Mindfulness Meditation)، الذي يساعد على تدريب العقل على الانتباه وتقليل التشتت الذهني.

وأظهرت إحدى الدراسات أن ممارسة التأمل الموجه لمدة 10 دقائق فقط ساهمت في تحسين الانتباه والدقة وسرعة الاستجابة لدى المشاركين.

كما تشير أبحاث أخرى إلى ارتباط الممارسة المنتظمة للتأمل بتحسين بعض المؤشرات المرتبطة بصحة الدماغ مع التقدم في العمر.

ويمكن البدء ببضع دقائق يوميا من خلال التركيز على التنفس ومحاولة إبعاد الأفكار المشتتة، بما يساعد على تهدئة التوتر وتحسين القدرة على التركيز.

4. تعزيز العلاقات والتواصل الاجتماعي

لا تقتصر العادات المفيدة للدماغ على الأنشطة الفردية، فالتواصل الاجتماعي المنتظم يمثل أيضا وسيلة مهمة لتحفيز الوظائف المعرفية.

وتساعد المحادثات واللقاءات مع الأصدقاء والعائلة والمشاركة في الأنشطة الجماعية على تنشيط الذاكرة والانتباه ومعالجة المعلومات.

وتشير الأبحاث إلى أن العزلة الاجتماعية قد ترتبط بزيادة مخاطر التراجع المعرفي، بينما يوفر التفاعل مع الآخرين فرصا مستمرة للتعلم والتفكير والاستجابة.

وحتى المحادثة اليومية التي تستمر نحو 10 دقائق يمكن أن تساهم في تنشيط بعض الوظائف التنفيذية، مثل الذاكرة العاملة والقدرة على مقاومة المشتتات.

5. ممارسة ألعاب تنشيط الدماغ

تعد ألعاب الذاكرة والتفكير من الأنشطة التي يمكن أن تضيف تحديا ذهنيا ممتعا إلى الروتين اليومي، لكن الخبراء يشيرون إلى أن فاعلية هذه الألعاب تختلف باختلاف طبيعتها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.

فبعض الألعاب يعتمد على التخطيط والتفكير الاستراتيجي، بينما يركز بعضها الآخر على سرعة الاستجابة ومعالجة المعلومات.

ومع ذلك، لا تزال الأدلة العلمية غير حاسمة بشأن مدى تأثير جميع تطبيقات وألعاب تدريب الدماغ التجارية على الأداء المعرفي في الحياة اليومية.

لذلك، يمكن الاستفادة منها باعتبارها نشاطا ذهنيا ترفيهيا، مع عدم الاعتماد عليها وحدها لتحسين الذاكرة.

عادات بسيطة تصنع فرقا في صحة الدماغ

لا يتطلب الحفاظ على الذاكرة إجراء تغييرات جذرية أو اتباع برامج تدريبية معقدة، بل يمكن البدء بخطوات بسيطة مثل ممارسة الرياضة، وتعلم أشياء جديدة، والتأمل، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، وتخصيص وقت للألعاب الذهنية.

كما يؤكد الخبراء أهمية النوم الكافي والتغذية الجيدة ضمن العادات الداعمة لصحة الدماغ.

ورغم أن الأبحاث لم تثبت وجود وسيلة تضمن منع التراجع المعرفي، فإن تبني هذه الاستراتيجيات بصورة منتظمة قد يساعد على تحسين التركيز والقدرة على التعلم واسترجاع المعلومات، والحفاظ على نشاط الدماغ مع التقدم في العمر.

مقالات ذات صلة