تتجه الحكومة الأسترالية إلى فرض قيود جديدة على روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تستهدف منعها من محاكاة العلاقات العاطفية مع الأطفال أو تشجيعهم على الاعتماد عليها بديلا عن العلاقات الإنسانية، وذلك ضمن مشروع قانون جديد لتعزيز السلامة الرقمية وحماية المستخدمين من المحتوى الضار عبر الإنترنت.
تأتي هذه الخطوة بعد تحذيرات أطلقها رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي بشأن تزايد ارتباط الأطفال بمساعدي الذكاء الاصطناعي، ووصول الأمر في بعض الحالات إلى اعتبار روبوتات الدردشة بمثابة أصدقاء مقربين أو أفضل أصدقاء لهم.
وذكرت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية أن مجلس النواب الأسترالي أقر مشروع قانون واجب الرعاية الرقمية يوم الأربعاء، 28 أكتوبر 2026، على أن يناقشه مجلس الشيوخ خلال الأسابيع التالية، فيما تسعى الحكومة إلى إقراره قبل نهاية العام الجاري.
حظر التعلق العاطفي بروبوتات الذكاء الاصطناعي
يتضمن مشروع القانون تعديلات تستهدف الأنشطة التي تمارسها روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي، إذ وافقت الحكومة على مقترح قدمته النائبة المستقلة كيت تشاني، يقضي بإلزام المنصات بحظر المحتوى أو السلوك الذي يحاكي الحميمية العاطفية ويشجع الأطفال على الاعتماد على هذه الروبوتات بدلا من بناء علاقات إنسانية حقيقية.
وكان رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي قد حذر في خطاب ألقاه مساء الثلاثاء من خطورة تحول روبوتات الدردشة إلى أصدقاء افتراضيين للأطفال، معتبرا أن التقارير التي تتحدث عن تعامل بعض المستخدمين مع هذه الأنظمة باعتبارها أشخاصا مقربين تمثل جرس إنذار يستدعي تحركا تشريعيا.
ولا تقتصر القيود المقترحة على العلاقات العاطفية الافتراضية، بل تشمل أيضا المحتوى الذي يروج لكراهية النساء والإرهاب والانتحار وإيذاء النفس واضطرابات الأكل.
قانون جديد لفرض مسؤولية أكبر على المنصات الرقمية
يهدف مشروع القانون إلى وضع معايير جديدة للسلامة على الإنترنت تشمل منصات التواصل الاجتماعي والألعاب والتطبيقات وروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وبموجب الإطار المقترح، ستتحمل شركات التكنولوجيا مسؤولية عامة تتمثل في توفير بيئة رقمية آمنة للمستخدمين في أستراليا، مع استبدال مجموعة من القواعد والمعايير الحالية بمتطلبات أوسع لواجب الرعاية الرقمية وحماية المستخدمين من المحتوى والسلوكيات الضارة.
كما يلزم التشريع منصات التواصل الاجتماعي بتوفير خيار يسمح للمستخدمين بإيقاف تشغيل الخوارزميات والتوصيات الآلية للمحتوى، على أن يكون هذا الخيار واضحا وسهل الاستخدام وفي مكان بارز داخل المنصة، وفقا لتعديل آخر قدمته النائبة كيت تشاني ووافقت عليه الحكومة.
خلاف سياسي حول الرقابة على الإنترنت
رغم إقرار المشروع في مجلس النواب، لا يزال مستقبل التشريع محل خلاف سياسي، إذ أيد حزب الخضر مشروع القانون، بينما صوت تحالف المعارضة وحزب أمة واحدة ضده، متهمين الحكومة بالسعي إلى فرض رقابة على النقاشات عبر الإنترنت والتدخل في حرية التعبير.
ورفضت وزيرة الاتصالات أنيكا ويلز هذه الاتهامات، مؤكدة أن الحكومة مستعدة للنظر في التعديلات المقترحة بدلا من الاكتفاء بالدعوات إلى إسقاط مشروع القانون.
ومن المقرر أن ينتقل التشريع إلى مجلس الشيوخ، حيث بدأ حزب الخضر تحقيقا بشأن بنوده، على أن يقدم تقريره في أواخر نوفمبر. ويسعى الحزب إلى تعزيز القانون من خلال منح الأستراليين الحق في اتخاذ إجراءات قانونية مباشرة ضد المنصات الرقمية، إلى جانب زيادة العقوبات المفروضة على الشركات المخالفة.
مطالب بإنشاء جهة مستقلة لمراقبة شركات التكنولوجيا
بالتوازي مع مشروع القانون، تتزايد الضغوط على الحكومة الأسترالية لإنشاء آلية رقابية مستقلة تتولى استقبال شكاوى المستخدمين المتعلقة بمنصات التواصل الاجتماعي وخدمات الذكاء الاصطناعي.
واقترحت النائبة المستقلة صوفي سكامبس توسيع صلاحيات مكتب أمين مظالم قطاع الاتصالات ليشمل شركات التكنولوجيا الكبرى، بما يسمح للمستخدمين بتقديم شكاوى بشأن اختراق حساباتهم أو تعذر الوصول إليها، والمطالبة بالتعويض في الحالات المناسبة، فضلا عن التحقيق في الممارسات المخالفة والكشف عن الشركات التي لا تلتزم بمسؤولياتها.
ورغم أن الحكومة لم تقبل هذا التعديل خلال مناقشة المشروع في مجلس النواب، فإن حزب الخضر يعتزم الدفع باتجاه إدراجه خلال المفاوضات في مجلس الشيوخ.
من جانبها، أكدت سينثيا جيبرت، أمينة مظالم قطاع الاتصالات، أن مكتبها يمتلك الخبرة اللازمة لتولي هذه المهمة، مشيرة إلى أن توسيع نطاق اختصاصه يمكن تمويله من خلال شركات التكنولوجيا نفسها، على غرار آليات تمويل الجهات الرقابية في القطاعات الأخرى.
وشددت على ضرورة توفير جهة مستقلة يلجأ إليها المستخدمون عندما تفشل منصات التكنولوجيا في معالجة شكاواهم، بدلا من الاكتفاء بالردود الآلية وإجراءات التصعيد التي لا تؤدي بالضرورة إلى حلول فعلية.
مستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي في أستراليا
تعكس التحركات التشريعية الأسترالية توجها متزايدا نحو إخضاع شركات التكنولوجيا لمسؤوليات أكثر وضوحا بشأن تأثير خدماتها على المستخدمين، خصوصا الأطفال والفئات الأكثر عرضة للمخاطر الرقمية.
ولا يقتصر التحدي على الحد من المحتوى الضار، بل يمتد إلى طبيعة التفاعل بين الإنسان والأنظمة الذكية، والحدود التي ينبغي وضعها لمنع تحول روبوتات الدردشة إلى بديل عن العلاقات الاجتماعية والإنسانية.
ومن المنتظر أن تحدد مناقشات مجلس الشيوخ خلال الفترة المقبلة شكل التشريع النهائي، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين حماية المستخدمين وضمان حرية التعبير وتنظيم أنشطة شركات التكنولوجيا.




