في تحول لافت بموازين القوى داخل قطاع التكنولوجيا العالمي، اتسعت فجوة نمو الإعلانات بين "ميتا" و"ألفابت" إلى أعلى مستوياتها منذ خمس سنوات؛ إذ نجحت الأولى في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعظيم عوائد المعلنين، بينما تواجه "غوغل" مخاطر التهام حصتها السوقية بفعل تغير عادات البحث التقليدي، وسط إنفاق رأسمالي غير مسبوق يدفع التدفقات النقدية للعملاقين نحو النطاق السلبـي.


فجوة نمو قياسية في العوائد الإعلانية

تشهد سوق الإعلانات الرقمية العالمية تحولا هيكليا غير مسبوق بفعل الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما انعكس بجلاء على الأداء المالي لعملاقي التقنية "ميتا" (Meta) و"ألفابت" (Alphabet) المالكة لشركة "غوغل" (Google)، وألقى بظلاله على القيمة السوقية لكلتا الشركتين وتقييماتهما الاستثمارية في "وول ستريت".

فقد أظهرت البيانات المالية للربع الثالث من العام الجاري اتساع الفجوة في معدلات النمو الإعلاني بين القطبين المتنافسين إلى 14%، وهي الفجوة الأوسع لصالح شركة "ميتا" منذ عام 2021.

وقفزت عوائد الإعلانات لدى "ميتا" بنسبة 26% على أساس سنوي لتصل إلى 63.1 مليار دولار، متفوقة بذلك بأكثر من الضعف على معدل نمو الإيرادات المسجل في قطاع البحث والخدمات الأخرى لدى "غوغل"، والذي اقتصر على 12% ليحقق 63.4 مليار دولار، مما يضع النشاطين الإعلانيين على قدم المساواة تقريبا من حيث الحجم المالي الكلي، مع تفوق واضح لصالح "ميتا" في زخم النمو.

تغير سلوك المستخدمين ومخاطر تآكل البحث التقليدي

يعزى هذا التباين في الأداء المالي إلى الكيفية التي أعادت بها أدوات الذكاء الاصطناعي تشكيل سلوك المستخدمين والمعلنين على حد سواء؛ فبينما نجحت "ميتا" في توظيف هذه التقنيات لتعزيز كفاءة الاستهداف الإعلاني وتجاوز التحديات التي فرضتها تحديثات الخصوصية في أنظمة تشغيل هواتف "آيفون" منذ عام 2021، تواجه "غوغل" تحديا استراتيجيا يهدد نموذج أعمالها الأساسي.

وقد أدى الانتشار الواسع لروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل "تشات جي بي تي" (ChatGPT) التابع لشركة "أوبن إيه آي" و"كلود" (Claude) التابع لشركة "أنثروبيك"، إلى جانب مساعد "ميتا" الجديد المعروف باسم "ميوز" (Muse)، إلى تغيير عادات البحث عبر الإنترنت، حيث بات المستخدمون يحصلون على إجابات مباشرة دون الحاجة إلى النقر على الروابط التقليدية، وهي الظاهرة التي تثير مخاوف المستثمرين بشأن تآكل عوائد محركات البحث والتهام الحصة السوقية للبحث التقليدي.

وفي هذا الصدد، أشار المحلل المتخصص في شؤون الذكاء الاصطناعي لدى مؤسسة "إي ماركتر" (Emarketer)، نيت إليوت، إلى أن تحول المستخدمين نحو الاعتماد على هذه الأدوات التوليدية عوضا عن محرك بحث "غوغل" للعثور على المعلومات بسهولة أكبر قد يلحق أضرارا بالغة بقطاع الإعلانات التابع للشركة، وهو ما يتقاطع مع تقديرات محللي مصرف "يو بي إس" (UBS) الذين أكدوا أن المكانة الإعلانية لشركة "غوغل" تواجه ضغوطا متزايدة جراء النتائج القوية التي تحققها "ميتا" والتهديد المتنامي من المساعدات الذكية، لا سيما وأن الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تقدمها "غوغل" نفسها قد تقلل من دوافع المستخدمين للنقر على الروابط الإعلانية المرافقة.

المكاسب التشغيلية وأدوات الاستهداف الذكي

على الجانب التشغيلي، استطاعت "ميتا" ترجمة استثماراتها التقنية إلى عوائد مالية ملموسة تدعم رؤية رئيسها التنفيذي مارك زوكربيرغ، الذي شدد على أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المعلنين قدرة أعلى على الوصول إلى الجمهور المستهدف عبر منصتي "فيسبوك" و"إنستغرام" اللتين تشهدان تزايدا في أوقات تصفح المستخدمين.

وفي المقابل، تسعى "غوغل" إلى تحصين منظومتها الإعلانية عبر دمج نماذج "جيميني" (Gemini) في بنيتها التحتية، حيث أكد كبير مسؤولي الأعمال في الشركة، فيليب شيندلر، أن هذا الدمج يهدف إلى تزويد المعلنين بأدوات متطورة وتحسين جودة الحملات الترويجية عبر مختلف المنصات، بما في ذلك منصة "يوتيوب" التي أضافت نحو 11 مليار دولار إلى خزينة الشركة خلال الربع الثالث.

تضخم النفقات الرأسمالية وضغوط التدفق النقدي الحر

رغم هذه المؤشرات التشغيلية الإيجابية في قطاع الإعلانات، تترقب أسواق المال بحذر شديد التداعيات المالية لسباق التسلح بالذكاء الاصطناعي، حيث تضخ الشركتان مئات المليارات من الدولارات لتشييد مراكز البيانات وتطوير البنية التحتية الحاسوبية، مما أدى إلى تضخم النفقات الرأسمالية بشكل غير مسبوق.

وتشير التقديرات إلى أن النفقات الرأسمالية لشركة "غوغل" قد تصل إلى 205 مليارات دولار خلال العام الحالي، بينما تتوقع "ميتا" أن يبلغ إنفاقها الرأسمالي نحو 145 مليار دولار، وهو مسار الإنفاق الضخم الذي دفع التدفق النقدي الحر لكلتا الشركتين إلى النطاق السلبـي، وأثار تساؤلات جوهرية لدى المستثمرين حول المدى الزمني اللازم لتحقيق عوائد توازي هذه التكاليف الباهظة.

وأمام هذه الضغوط المالية، تتجه الشركتان نحو تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد التاريخي على الإعلانات؛ إذ لا تزال "ميتا" تعتمد بنسبة 98% في دخلها الكلي على العوائد الإعلانية، مما يدفعها نحو تطوير نماذج ووكلاء ذكاء اصطناعي لإطلاق خدمات قائمة على الاشتراكات مستقبلا، في حين تتمتع "غوغل" بمركز أكثر توازنا بعد أن باتت الإعلانات تشكل أقل من ثلثي إجمالي إيراداتها، مدعومة بالنمو السريع في قطاع الحوسبة السحابية وتطوير رقائق المعالجة الخاصة بها لتلبية الطلب المؤسسي المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي.

مقالات ذات صلة